أحمد بن سهل البلخي

56

مصالح الأبدان والأنفس

وفي ظل تلك الأوضاع دخلت الأفكار الفلسفية والاتجاه العقلي في أسلوب النظر في المسائل ، فنشأت بسبب ذلك المذاهب الفكرية والسياسية والدينية المتعددة . غير أن الاضطرابات السياسية والفكرية التي شهدتها الفترة التي عاش فيها البلخي لم تكن عائقا أمام انكباب العلماء على متابعة مسيرة العلم والمعرفة التي بدأت بدخول العلوم اليونانية من جنديسابور إلى بغداد طيلة القرن الأول من الحكم العباسي . وفي خراسان - حيث كان أبو زيد - بلغ السامانيون أوج عزّتهم في نهاية القرن الثالث « 1 » ، وكانوا من أحسن الملوك سيرة ونظرا وإجلالا للعلم وأهله ، فقد كان من رسومهم - مثلا - أنهم لا يكلفون أهل العلم تقبيل الأرض بين أيديهم « 2 » ، وكان الملوك السامانيون يظهرون ولاءهم للخليفة في بغداد ، وقد أثنى عليهم ابن حوقل « 3 » ، فقال : « وليس بأرض المشرق ملك أمنع جانبا ، ولا أوفر عددا ، ولا أكمل عدة ، ولا أنظم أسبابا ، ولا أكثر عطية ، ولا أدرّ طعاما ، ولا أدوم حسن نيّات منهم ، مع قلة جباياتهم ، ونزور أخرجتهم . . لهذه الحال أعمالهم مشحونة بالقضاة والجباة والكفاة والولاة ، منزلين على أرزاق تتساوى ، وأحوال في المراتب تتالى . . » « 4 » . ولم يكن تبجيل العلماء مقتصرا على الولاة ، فقد كان الناس - أيضا - في خراسان يجلّون العلماء ويتبرّكون بهم « 5 » . وقد عاصر البلخي بدايات النهضة الحضارية الشاملة التي شهدتها مختلف أنواع العلوم ، بل كانت مشاركاته العلمية جزءا من تلك الانطلاقة الحضارية .

--> ( 1 ) انظر النرشخي ، تاريخ بخارى 135 وما بعد . ( 2 ) انظر المقدسي ، أحسن التقاسيم 337 وما بعد . ( 3 ) أبو القاسم محمد بن حوقل البغدادي الموصلي ( ت 367 ه ) ، وكتابه ( المسالك والممالك ) أو ( صورة الأرض ) من أفضل كتب المسالك والممالك ، ويعتقد أن كتابته استغرقت عشرين عاما . ( انظر الزركلي ، الأعلام 6 / 111 ) . ( 4 ) انظر ابن حوقل ، صورة الأرض 341 ، 342 . ( 5 ) انظر السبكي ، طبقات السبكي 3 / 91 .